Lundi 15 janvier 2007 1 15 /01 /Jan /2007 17:50
محمد أركون
و التحدّي النقدي للعقل الإسلامي
 
 
 
 
 الدكتور محمد شوقي الزين
 
 
 
 
"كلافيس كريتيكا" أو مفتاح النقد في مساءلة العقل
الحديث عن فكر محمد أركون هو في الوقت نفسه مسألة هامّة و ضرورية. ضرورة فهم كتابات أركون تستجيب لمطلب أساسي هو نشاط و مسؤولية الفكر العربي المعاصر في تبنّي رؤى و مقاربات جديدة لم يسبق للفكر أن وضع متاعه النقدي فيها لأسباب تاريخية و سياسية و نفسية ألجمت اللسان و أحجمت البيان و حجبت ما لم يفكّر فيه هذا الفكر و أقصاه من حقل مباحثه و مشاغله.
تسير كتابات محمد أركون وُفق هندسة فكرية ثلاثية البُعد : "إختراق"، "إزاحة"، "تجاوز" ([1]). فالقراءة النقدية لنصوص التراث الديني تعمل على إعادة تقييم المفاهيم و التصورات و المتخيّلات التي اتخذت في تاريخ الفكر العربي و الإسلامي صبغة مطلقة و جامدة و سكونية. التفكير في هذه البنيات اللاهوتية و الأنثروبولوجية المؤسّسة لتاريخ هذا الفكر تستدعي "إختراق" المصطلحات و المفاهيم و العادات الفكرية وليدة الرؤى اللاهوتية و التي "أسطرت" (Mythologiser) النصوص المؤسسة بقولبتها ضمن أطر دوغمائية لا تناقش. فاختراق الطبقة الدلالية (أو المعنى الضمني "mens octoris") للنص المؤسس (أو النص "المقدّس" بالأحرى) لا تعني إهدار هذا النص كما يوهمه لفظ "إختراق" و إنما تقييمه بواسطة أدوات و آليات معرفية مستقاة من خزائن العلوم الإنسانية و الإجتماعية (الألسنية، التاريخ، الأنثروبولوجيا، الهيرمينوطيقا، علم النفس و الإجتماع، الخ). تتخذ هذه الآليات شكل مفتاح نقدي (أو "كلافيس" (Clavis) باللاتينية) بفضله يفتح العقل الإسلامي أقفال التراث الفكري و الديني الذي لا يزال مكبّلا و مغلقا بمعرفة وثوقية مشرّعة تحول دون الكشف عن مضامينه الإبستمولوجية و الأنثروبولوجية معرفيا و دوافعة التمويهية سلطويا. فلا يمكن مواجهة سلطة التراث بآليات الإسلامولوجيا (علم الإسلاميات) كما يصطلح عليها أركون حيث أبدت حدودها النظرية و العملية في استنفاد هذا التراث برمّته : "إذا لم تفلح الإسلامولوجيا الكلاسيكية في أيّة إعادة توزيع للمعرفة الغربية، فهو أن معظم المشتغلين عليها ضلّوا ملتحمين بالنظرة التاريخانية و الإتنومركزية" ([2]). الإختراق يستلزم "الإزاحة" كبُعد إجرائي و مفهومي لا يمكن الإستغناء عنه، بمعنى إزاحة البنيات الصورية الجامدة و الراسخة لهذا التراث و المتمفصلة مع خطابة اللاهوتي نحو فضاءات معرفية و مقاربات فكرية أكثر تطورا و انفتاحا. تمكّن هذه الإزاحة من الكشف عن الأمر الذي ظلّ مغيّبا و مطموسا عبر لعبة الوهم و الإقصاء و التي بفضلها تتجمّد و تتصلّب هذه البنيات النظرية للعقل. و الإزاحة تقتضي "المجاوزة" أي تجاوز خطاب "الأسطرة" الذي يتكلّم عبر هذه البنيات و القوالب النظرية و الفكرية بالكشف عن الطابع الدينامي و التطوري الضمني الذي يفرض نمطا لا ينضب من المساءلة و المراجعة. فقط العقل المسائل و المتحسّس و المتلمّس و المتحمّس للمغامرة المعرفية و النقدية بإمكانه إدامة الحركة النقدية الدؤوبة في شكل حيرة فكرية لا تنقضي باليقينيات و الإطلاقيات و تعطّش معرفي يدفع بالعقل إلى البحث عن فضاءات معرفية واسعة و التنقيب في الأرضيات الدلالية عن خزائن دفينة من المعنى و الحقيقة و الوجود و الصيرورة. هذا العقل "السائر الحائر" و المتعطش للمعرفة بمعزل عن نمط السلطة و الهيمنة قد تكبّله النزاعات الإيديولوجية و صراعات القوى و تعرقل نشاطه النقدي. فهذا الجو الملوّث بعبثية التسلّط و التمويه من شأنه أن يسمّم العقول المتحرّرة بشعارات تزرع في الحقل الإجتماعي بذور التقوقع و الوثوقية و الإقصاء المتبادل : "إن أحد أهداف الإسلامولوجيا التطبيقية هو استبدال جوّ التناكر و النبذ المتبادل بضرورة بحث علمي وحدوي. ينبغي عزل الإفراطات الخطيرة لما تصطلح عليه المذاهب المعارضة اسم "الغزو الفكري" للغرب" ([3]). باختصار، يبدو النقد غريبا تماما عن دوافع الهدم و التخريب و التشكيك. إنه بالأحرى بناء و إعادة تقييم وُفق معايير علمية و موضوعية صرفة. أخذ النقد بهذا المعنى الإيجابي و الخلاّق و المثمر معناه الحدّ من المخاوف اللامشروعة إزاء فقدان المعنى و انهيار الهوية و ضمور القيمة.
 
إسلامولوجيا تطبيقية : من التصوّر إلى الحدث
لا يتحدث المفكّر الجزائري محمد أركون عن "الإسلام" كمفهوم مجرّد و مفارق، متعالي عن شروطه التاريخية و الموضوعية و إنما عن "الحدث الإسلامي" كظاهرة اجتماعية و تاريخية و نفسية تحتويها آليات الفكر العلمي بحذافيرها. فالمفهوم الإجرائي الذي تبنّاه أركون هو تبيان انخراط الحدث الإسلامي في تاريخية الممارسات الخطابية و الإجتماعية و السياسية و محايثته للحقل الإجتماعي الذي انبثق فيه و تطوّر في طيّات أحداثه و تقلّباته، و هذا يسمح لنا بنعت هذه الظاهرة التاريخية أو هذا الحدث الإسلامي كنشاط فعلي للتاريخ ([4]) أو الوظيفة الفاعلة للتاريخ في توجيه مجرى هذا الحدث و كذا التلوينات الإيديولوجية و السياسية التي أصبغت عليه. فهذا التحديد الإجرائي يسمح بالتمييز بين التصوّر التاريخي و الأنثروبولوجي لهذا الحدث و الإستعمال الذرائعي و البراغماتي الذي تستند إليه إيديولوجيا الكفاح و التبجيل. فالإسلامولوجيا التطبيقية تبدو ضرورية و كافية قصد تفكيك جملة الطبقات الفكرية و المخيالية و المفهومية المتراصّة و المتجذّرة في الممارسة السياسية و التربوية و الإقتصادية والثقافية. بينما كانت الإسلامولوجيا الكلاسيكية تحوم حول تأريخية ساذجة و إتنوغرافيا مدعّمة من قبل الحضور الكولونيالي/الإستعماري في البلاد العربية، فإن "الحذاقة العملية" للإسلامولوجيا الأركونية تذهب إلى ما وراء التصنيفات التأريخية و الإتنوغرافية الضيّقة لتحفر في طبقات النصوص و الخطابات بمساءلة الأسس و التأسيسات و البداهات التي تقوم عليها و تنطلق منها قصد بناء تصوّرها للعالم و الإنسان و الوجود. الإسلامولوجيا التطبيقية التي يدعو إليها أركون عبارة عن "أركيولوجيا" فاعلة في سبيل زحزحة الخطابات المترسّبة و تقويض البداهات الوثوقية المتجذّرة. فهي لا تسائل النص "الأصلي" فقط و إنما تعتني أيضا بنقد التأويلات و المتخيّلات التي نُسِجت و صُنِعت حول حقيقته المتوارية. تسائل و تنتقد الإسلامولوجيا التطبيقية النص الذي يؤسّس "خطابا حول" نص آخر و يزعم أنه "الخطاب-الحقيقة" حول أفكاره و تصوّراته و مقاصده و حقائقه المضمرة. بتعبير آخر، ليس فقط النص المحوري و المركزي الذي تعتني الإسلامولوجيا التطبيقية بتعرية طبقاته و حقائقه وُفق عقل منهجي و تطبيقي صارم، و إنما النصوص المجاورة التي تفسّره و تشرحه و تؤوّله تخضع بدورها إلى معاول التفكيك و البناء و مقتضيات التحليل و التشخيص. هذه العملية المعقّدة في تشريح و تشخيص النص و مراياه المتقابلة أي تأويلاته المتضاربة تهدف إلى التمييز بين حقيقتين متشابكتين : حقيقة النص "الأصلي" (أي النص "المقدّس") و حقيقة كلّ نص "تأويلي و شارح". تبدو ممارسة العزل و الحل هذه ضرورية و أساسية لأن الحقيقة الدينية ليست أبدا أثيرا خالصا و شفّافا كما بدت في لحظة انبثاقها و بروزها للوعي العربي و إنما تتحول في سياق النشاط التاريخي الفاعل و بتدخّل اامخيال أو المتخيّل الفردي و الإجتماعي إلى أطر جامدة و ثابتة و خطابات فجّة. و النص لا يتّخذ دلالته و قيمته إلاّ بحضور وعي القارئ الذي يمارس ذهنه و خياله و وجدانه في فهمه و استخراج معانيه. فليس النص، من هذا المنظور، مجرّد كينونة ساكنة و مستقلّة و إنما يُشتغَل كفضاء رمزي و شاعري يجوبه الوعي الفردي و الجماعي. فهو يستقي شرعيته و قيمته من جملة الفاعلين الإجتماعيين الذين ينتجون حقائقه و دلالاته بفهمه و قراءته و تأويله. هذه القراءة الفردية و الجماعية في إنتاج المعنى و بناء الحقيقة تصبح مخيالا منتجا و مبدعا و موزّعا في الحقل الإجتماعي. المخيال أو المتخيّل الديني "يترجم" حقيقة النص "المقدّس"، لكنه "يخون" [5] أيضا دلالته بقولبتها و أسطرتها و هي دلالة لا تنفك عن التعدّد و الإختلاف. و عليه، فرض دلالة أحادية للنص هو فتح مصراع الإرهاب الفكري أو العنف الرمزي الذي لا يزال الوعي العربي يعاني منه : "القرآن هو نص مفتوح يتعذّر على أيّ تأويل غلقه بصورة قطعية و "أرثوذكسية". على العكس تماما، المذاهب المسمّاة "إسلامية" هي حركات إيديولوجية تدعّم و تضفي مصداقية و شرعية على إرادات القوّة للجملعات البشرية من أجل الإستحواذ على السلطة و الهيمنة" [6]. تعمد الإسلامولوجيا التطبيقية الأركونية إلى محو هذا الخضوع إلى السلطة المطلقة و غير المشروطة للمعنى قصد مساءلة الواقع المعاش بالإعتماد على آليات معرفية حديثة قادرة على مجاوزة جنون الهيمنة أو الإرهاب الفكري كما هو متجلّ اليوم في دنيا الخطابات المتطرّفة : "يبدو أنه ضروري جدّا أن نتحمّل تعقّد الوضعية التاريخية التي عاينها المسلمون و كذا القلق المعرفي للعقل الراهن في سبيله نحو إدراك الحقيقة" [7]. يلاحظ أركون أن الفكر الإسلامي لا تزال تسيطر عليه النظرة الرجعية التي تستنفد رموزها و قيمها في "إبستمي" (المنظومة المعرفية) العصر الكلاسيكي. فثمّة إذن حركة دؤوبة من التصوّرات و الإدراكات و التمثّلات الفردية و الجماعية تتشكّل اليوم على قاعدة الإبستمي "المونادي" (الذرّي المغلق) و المكتمل كمعرفة مطلقة و مغلقة لا تناقش، و يولّد بذلك روحا دوغمائية ساذجة مغتربة و منفصمة عن واقعها و تاريخيتها.
إذا كانت الإسلامولوجيا الكلاسيكية تسعى لإعلام الرأي العام الغربي حول بنية و وظيفة العقليات و العقائد و الأديان الأخرى (و هو إعلام تعمل على تكريسه و ترويجه وسائل الإعلام بعقل تصنيفي ضيّق) فإن الإسلامولوجيا التطبيقية كما يفهمها أركون تتجاوز إطار المناقشات العقيمة و الإقصاءات المتبادلة و النزعات الدفاعية المبالغ فيها من أجل تأسيس نشاط فكري و فعلي يرتكز على دعائم المقارنة المثمرة و المقاربة النقدية للخطاب المؤسس للفكر الإسلامي. هكذا تفتح الإسلامولوجيا التطبيقية، في الخطاب المعرفي المعاصر، منظورات و تنظيرات فكرية في ميدان الأنثروبولوجيا الدينية.


[1] و هي ثلاثية مفهومية استعملها في قراءة أعمال المؤرّخ كلود كاهين. أنظر : محمد أركون، "إختراق، إزاحة، تجاوز"، مجلة "أرابيكا" (Arabica)، مجلة الدراسات العربية الإسلامية، ملف "كلود كاهين : قراءات نقدية"، عدد 43، 1996، ص.28-70.
[2] محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، باريس، ميزونوف-لاروز، 1984، ص.47
[3] المرجع نفسه، ص.48
[4] ترجمة عن المفهوم الألماني (Wirkungsgeschichte) الذي ابتكره الفيلسوف المعاصر هانس غيورغ غادامير. أنظر دراستنا : "كلافيس هيرمينوطيقا : مفتاح التأويل في قراءة التراث الإنساني"، مجلة "المعرفة"، عدد 433، أكتوبر 1999، دمشق (سورية).
[5] الترجمة (traduction) كتراث (tradition) لها علاقة بفقدان المعنى الأصلي بمعنى خيانة (trahison).
[6] محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، المرجع نفسه، ص.132
[7] المرجع نفسه، ص.50
Par ZINE - Publié dans : philozine
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

Présentation

قراءة في كتب محمد شوقي الزين

Compte rendu de ma traduction du livre de Hans-Georg Gadamer, fait par Maher Charaf Al-Din et publié dans la revue Qantara (Berlin-Allemagne)  et dans le quotidien libanais Annahar.

 

فلسـفـة التَّـأويـل

هيرمينوطيقا لغوية 

ماهر شرف الدين

 

العام 1900، الذي شهد وفاةَ فريدريش نيتشه، شهد ولادةَ أشهر فلاسفة الهيرمينوطيقا في العصور الحديثة: هانس غيورغ غادامير. وفي كتاب فلسفة التأويل، الصادر لدى مؤسسات ثلاث، نقع على مختارات باهرة من الدراسات التي قدَّمها غادامير كمدخل إلى الفكر التأويلي.

                                        
لعقود طويلة، ظلت فلسفة غادامير التأويلية محلَّ قراءات مختلفة وتأويلات متضاربة في خصوص تصوُّره للُّغة: غالبًا ما نُعِتَتْ "تأويلية" غادامير بأنها هيرمينوطيقا لغوية، من حيث إنها تعطي الأولوية والصدارة لعامل اللغة كبُعد كونيٍّ وشامل يشترط الأبعاد الأونطولوجية والأنثروپولوجية كلَّها للكائن: "الوجود الجدير بالفهم هو اللغة." لقد جاء جواب غادامير حاسمًا:

عندما كتبتُ أن الوجود الممكن فهمه وإدراكه هو اللغة، ينبغي أن نفهم من هذا التصريح أن الوجود (ما هو كائن) لا يمكن فهمه في صورته الكلِّية والشاملة، بحيث إن كلَّ ما تحمله اللغة يحيل دومًا على ما وراء (أو فوق) العبارة نفسها.

فالصحيح أن ما عبر عنه الفيلسوف لا يكتفي بنقل إرادة التعبير وبتثبيتها بالكتابة، بل يسعى إلى الاتفاق حول – أو الانسجام مع – الشيء عِبْر التواصل والحوار.

تتوزع كلمة "هيرمينوطيقا" hermeneutics (فن التأويل)، كما هي الحال مع الكلمة المشتقة عن الإغريقية hermeneuein، التي تمفصلتْ مع لغتنا العلمية، في المستويات المختلفة للتفكير. وتدلُّ هذه الكلمة على ممارسة فكرية دليلها الآلية أو الفن. وهو ما يستحضره تشكيلُ اللفظ الذي يدلُّ على "التقنية". يتخذ "الفن" هاهنا دلالةَ الإعلان والتراث والتفسير والتأويل، مثلما يشتمل على فن الفهم كأساس له ودعامة.

ويعتقد غادامير أن مشكل الهيرمينوطيقا لا ينحصر في المشكل المنهجي للعلوم الإنسانية، ولا ينجم عن المناقشات الحالية حول الطرق والأساليب العلمية في التفكير والتفلسف، بل هو مشكل إنساني ينصبُّ حول قدرات الوجود الإنساني. فالاختلاف الذي نقيمه بين العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة غير مُرْضٍ من الجانبين: لا يرضي علماءَ اليوم حَصْرُ هذه العلوم في حلِّ المشكلات (المعرفية) بواسطة قانون النسبوية relativism؛ إذ يؤكد هؤلاء العلماء أن مشكلة اللغة، أو المشكل الألسُني، في الحقول الأساسية للنظرية الحديثة، هو أيضًا مشكل ذو أهمية فائقة، ويشغل مكانةً رئيسية في المناقشات الفكرية المعاصرة.

 

 

غادامير، الذي تأثرتْ تأويليَّته بالمنهج الديكارتي في بُعدها الإپستمولوجي، استقلَّ المنحى الأونطولوجي والفني والفلسفي لديه عن صرامة المنهج، عِبْر إدراجه للتصورات المسبقة التي كانت محلَّ شكوك وتحفُّظات في المنهج الديكارتي، الذي أسَّس لفكرة العالم في العصور الحديثة، المبنية على البداهة واليقين. ولأن الشك الديكارتي يستسلم، في نهاية المطاف، لوضاحة المنهج وبداهة الفكرة، قام غادامير بتجنيد الشكِّ النيتشوي الراديكالي. وبدلاً من الاستناد إلى بداهة الوعي المفكِّر نفسه، يستند غادامير إلى فكرة أستاذه هيدغِّر حول التناهي الإنساني، التي تظلُّ فكرةً محوريةً وجوهرية في تأويليته.

تأثير هُسِّرل وهيدغِّر، الذي وجد في فلسفة غادامير المفاتيح الأساسية في بناء فلسفته التأويلية، كان واضحًا في مساره الفكري، حين درس على يديهما الفلسفة في فرايبُرغ، في وقت لم يكن يرى حوله سوى الحضور القوي للكانطية الجديدة والوضعية positivism في المجال العلمي. وقد أقامت ترجمتُه لأفلاطون الدليلَ القاطع على نفوره من "الموضة الجامعية" في عصره.

الفهم الذاتي الذي تمارسه العلوم الإنسانية، في مقابل النموذج العلمي البحت الذي تتمتَّع به العلوم الدقيقة والطبيعية، بقي المشكل الرئيسي الذي شغل غادامير، الوفي للمنحى الأونطولوجي الذي رسمه هيدغِّر، والمتمثل خصوصًا في مسألة اللغة، والتناهي الذاتي الذي تكشف عنه التجربة التاريخية وهيرمينوطيقا الفهم – فهم الذات على وجه الخصوص؛ وهو ما سمَّاه هيدغِّر "المنعطف الأونطولوجي الحاسم" في تجربة الفهم الذاتي. وهذا ينمُّ عن المشكل الذي طرحتْه العلوم الإنسانية، في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، كما عالجها وقدَّمها، من وجهة نظر تاريخية وإپستمولوجية، فيلهِلم دلتاي.

لتوضيح معنى التأويل التاريخي، انطلق غادامير من الإخفاق الذي مُنِيَتْ به النزعةُ التاريخية، أو التاريخانية، كما هي الحال لدى دلتاي، منبِّهًا إلى الأبعاد الأونطولوجية الجديدة عند هُسِّرل وهيدغِّر:

لا يمكن للمعرفة التاريخية أن توصف بنموذج المعرفة الوضعانية، لأنها في حدِّ ذاتها عبارة عن تطوُّر يتمتع بخاصيات الحدث التاريخي كلِّها.

في تأخُّر هائل، محتشم، على ما يقول مترجم الكتاب محمد شوقي الزين في مقدمته، نكتشف هذا البحر التأويلي الكبير، الذي أثمر، ولا يزال، مؤلَّفاتٍ وأعلامًا في التأويل المعاصر، أمثال الإيطالي فاتيمو والأمريكي دورتي والفرنسي ريكور.

*** *** ***


"فلسفة التأويل"، الترجمة والتقديم محمد شوقي الزين، صدر لدى المركز الثقافي العربي والدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف 2006

Compte rendu de mon livre "Déplacements intellectuels", fait par l'écrivain Kheir Chouar.

من أجل تجاوز الأسئلة المحنّطة

الخير شوار

 

“الإزاحة” كما عرفها صاحب هذا الكتاب هي ”العملية الفكرية التي تلي ”الاختراق” وتسبق ”المجاوزة””، والكتاب هو ثالث إصدارات الباحث الجزائري محمد شوقي الزين بعد ”هويات وغيريات” عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء وبيروت بالعربية، و”هويات وغيريات” عن الاختلاف بالجزائر باللغة الفرنسية، والكتاب عبارة عن مقالات متفرقة يربطها رابط واحد هو عملية الإزاحة التي قام بها الباحث في الخطاب الحداثي والثقافي عندنا.

وسيرا على ما درج عليه مؤلفو الكتب الثقافية والفكرية فقد جاء عنوان الكتاب على مستوين الأول ”إزاحات فكرية” وهو العنوان الكبير البارز الذي يعرف به الكتاب وعنوان صغير يوضح الإشكالية بدقة هو ”مقاربات في الحداثة والفكر”، وعودا على كلمة الإزاحة فإن الكتاب من خلال هذه المقالات التي صدر بعضها في الصحف الوطنية الجزائرية، هو محاولة لاختراق الخطاب الثقافي الراهن، من أجل فهمه بدقة ومن ثم يتسنى لنا المجاوزة إن أمكن ذلك والتجاوز كما نعلم لا يكون إلا بالفهم والإحاطة بالشيء وملابساته، فعلى مدى صفحات الكتاب حاول الباحث اختراق ثقافة التلقين من أجل مجاوزتها وما التلقين مثلما جاء في الكتاب إلا النقل بطريقة أخرى والنقل كما نعلم هو نقيض العقل وإذا سيطر النقل حل محل العقل وسادت السلطة الأبوية البتريركية بتعبير المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي، وانطلاقا من النقل يؤكد الباحث أنه ”في البدء كان التلقين”، وعليه اقتضى الحال أن يكون مع هذا الكتاب ”في البدء كان الاختراق” للعملية التي تسبق الإزاحة ولا تتم إلا بها، ففي البدء أعلنت النية في الاختراق.. اختراق الأنماط السائدة في الثقافة والفكر التي لا يمكن أن تتم مجتمعة، وقد قسمت إلى محاور، يجمعها هذا السفر الصغير نسبيا•والقيمة الحقيقية لهذه المقالات- التأملات تكمن في أنها جاءت في سياق نقاش تم في بعض المنابر الإعلامية ولم يشارك فيه الباحث محمد شوقي الزين وحده باتجاه واحد وإنما تم بين عدد من الكتَاب والباحثين، ومع النقاش تتضح الأفكار أكثر وتتلاحق وتتجلى الرؤية واضحة قدر الإمكان، وقد فعل خيرا الكاتب (والناشر) عندما ضمن هذا الكتاب بعض المقالات التي ناقشت أفكار الكاتب وتفاعل معها حينها في المنابر الإعلامية، حتى تتقيد تلك اللحظة، لتكون بوابة لأي نشاط لاحق، والصحف اليومية كما نعلم تهتم باللحظة الآنية ومن الصعب أن تحافظ القضايا المطروحة للنقاش فيها إذا لم يحتويها كتاب ويصبها في لحظته الخاصة التي هي أدوم حالا مثلما هو حال الكتب على مر التاريخ. وعودا على العنوان الثاني- التوضيحي الذي أكد فيه الباحث أن كتابه هو ”مقاربات في الحداثة والمثقف” فقد انقسم الكتاب إلى جزئية -محورين رئيسيين، الأول يتعلق بـ ”سؤال الحداثة” والثاني بـ ”سؤال المثقف”، وتحت هذين العنوانين الكبيرين، جاءت القضايا المطروحة التي وضعها الباحث نصب عينيه محاولا اختراقها من الداخل وتفجير السؤال فيها آملا أن يزيحها من حقل التلقين والنقل الموسوم بالعقم وبالبطريركية والتخلف وكل النعوت القبيحة التي تعيدنا إلى ثقافة متخلفة، منحطة، محنطة، فارغة، مسيجة بالقداسة والرهبة، إلى نمط آخر من الثقافة غير ذلك تماما موسوم بالعقل والنقد وكل المترادفات والنتائج التي لها علاقة بهذا المنطلق. ولئن كانت القضايا المطروحة في الشق الأول من الكتاب غير متواترة كثيرا في خطابنا الثقافي بشيء من التجاوز فإن القضايا التي جاءت في الشق الثاني، كثيرا ما تناولتها الأقلام وعقدت بشأنها الندوات والمؤتمرات وملئت بها المنابر الثقافية المكتوبة والمرئية والمسموعة، (المثقف والعولمة، نهاية المثقف مثقف النقد ناقدا لذاته، المثقف الجزائري: تغييب أم غياب، نضالات المثقف.. وغيرها من الأسئلة التي ظلت مطروحة في الخطاب الثقافي عندنا، فالقضايا من شدة تكرار النقاش بشأنها، أصبح من الصعب اختراقها رغم تواترها، اللهم إلا إذا أراد الباحث أن يؤكد على أن التكرار في طرح الشيء يرسخ عمق المشكلة وخطورتها، وفي النهاية ما الفائدة من تجاوز الأسئلة إلى غيرها من الأسئلة التي تليها طالما أن الأولى ظلت معلقة بدون إجابة.

لقد جاءت تلك المقالات مليئة بـ ”حرقة الأسئلة” كما جاء في أحد عناوين الشاعر عبد اللطيف اللعبي، وحافظت تلك الأسئلة التي انطلق بعضها من قضايا راهنية محددة على حرارتها، وهو المهم في مثل هذه الكتابات، والكتاب في النهاية بعد صدوره في هذه الطبعة الجميلة يحتاج إلى مزيد من القراءة المتخصصة، المتأملة من أجل أن تخترق الأسئلة التي تناولها من جديد برؤى مختلفة، والاختراق كما أخبرنا الباحث الجزائري المغترب محمد شوقي الزين صاحب الكتاب هذا، عملية تسبق الإزاحة الضرورية في أي بناء فكري ثقافي يروم تجاوز الأسئلة المحنطة والأفكار البالية، وإلا بقينا ندور في الفراغ تماما مثل الأصفار التي تدور حول نفسها كما قال الشاعر الجزائري الراحل مالك حداد.

Coup de Coeur

 

 


Jacques Derrida
et la naissance du Forum arabe de la déconstruction


Du 10 au 13 août 2009, le philosophe français de renommée internationale Jacques Derrida (1930-2004) a été honoré au Bahrein (Ministère de la Culture), à l'occasion du 5e anniversaire de sa disparition. Un livre en arabe, collectif et commémoratif, a été édité pour l'occasion. Des poèmes ont été lus et des films projetés, dont celui de l'écrivaine égyptienne Safaa Fathy. L'auteur de ce blog, Mohammed Chaouki Zine, a procédé à la création du "Forum arabe de la déconstruction", dans le but d'échanger des idées et des réflexions entre les auteurs d'expression arabe.




Michel de Certeau (1925-1986)


Par : Luce Giard

Naissance de Michel, Jean, Emmanuel de la Barge de Certeau le 17 mai 1925 à Chambéry (Savoie), aîné des quatre enfants de Hubert, Eugène de la Barge de Certeau et de son épouse Pauline, Louise, Ursule, Marie, Antoinette de Tardy de Montravel. Il passe son enfance et son adolescence entre cette ville et la maison familiale, une ancienne chartreuse du XVe siècle, toute proche, au sud des Bauges, sauf une année scolaire au collège mariste de la Seyne-sur-Mer, pour se rétablir d’une double typhoïde suivie d’une ostéite. Désormais la mer le fascinera et les deux auteurs qui le marqueront, Montesquieu vers 1940, Surin pour l’histoire de la mystique, seront tous deux de Bordeaux, hommes du rivage océanique, tourné vers l’Amérique. Il parlera souvent des années de guerre, de l’enfermement imposé dans un lieu géographique et social, des maquisards auxquels il s’était lié, courant la montagne pour porter des messages, et plus encore de la rupture qu’avait symbolisée pour lui la défaite de juin 1940 : c’était, définitive, la " défection " du discours patriotique et moral des adultes, avec l’impossibilité de les croire et d’en attendre une direction de vie. 

Après son baccalauréat (latin, grec, allemand en série A, puis philosophie), il suit une double formation, sans parvenir à se satisfaire d’un lieu, d’un milieu, d’une filière, dans la recherche inquiète d’une voie. A l’Université (Grenoble, Lyon, Paris), il obtient deux licences (lettres classiques avec une préférence pour le grec, philosophie), le diplôme de l’Ecole Pratique des Hautes Etudes (Ve section, sous la direction de Jean Orcibal), un doctorant en science des religions (Sorbonne, 1960) sur " le Mémorial de Pierre Favre ". Dans l’institution ecclésiale, il fréquente le Séminaire d’Issy-les-Moulineaux aux portes de Paris (1944-1945, et 1946-1947), mais ce milieu sulpicien lui convient mal. Il rejoint le Séminaire universitaire de Lyon (1947-1950) qu’il juge plus stimulant, et sera toujours attaché à la ville de Lyon, secrète, multiple, vivante. Il ajoute à son baccalauréat de philosophie scolastique une licence en théologie, consacre beaucoup d’énergie à l’histoire des textes de la tradition (hébreu biblique, grec néo-testamentaire). Dès son premier séjour à Paris, il a pris l’habitude de suivre de nombreux cours : il fréquentera ainsi l’helléniste Paul Mazon et, au Collège de France, Jean Baruzi vers la finde sa vie, seul, parlant comme si de rien n’était devant une salle déserte, Louis Massignon, etc.

En novembre 1950, il entre dans la Compagnie de Jésus, attiré par le bouillonnement de vie au scolasticat de Fourvière, l’ouverture internationale de l’ordre et la haute silhouette de Henri de Lubac qui enseignait alors aux aux Facultés catholiques de Lyon. Il suit le cursus classique : noviciat et juvénat à Laval (Mayenne) (1950-1953), " un temps d’austérité " non matérielle mais intellectuelle, car la liberté de lire et travailler lui est chichement mesurée ; un an de philosophie au scolasticat de Chantilly (Oise), consacré à étudier Hegel dans le texte avec Joseph Gauvin, " une expérience forte " dont il gardera toujours gratitude à ce guide et à la Compagnie ; un an d’enseignement de la philosophie dans un collège jésuite à Vannes (Morbihan) pour remplacer au pied levé à la Toussaint un professeur malade ; enfin une dernière année de théologie au scolasticat de Fourvière (Lyon). Il est ordonné à Lyon le 31 juillet 1956.

Il avait commencé dès 1950 à préparer une thèse de patristique sur Saint Augustin, comme lieu de transit entre la pensée grecque et la théologie latine, mais la Compagnie lui demande alors de faire des recherches sur l’histoire spirituelle de ses commencements en France. Pendant les années suivantes, il résidera tantôt à Paris, tantôt à Chantilly, s’enfonçant avec ivresse dans le merveilleux fonds ancien de la bibliothèque, complétant sa formation d’historien dans plusieurs séminaires de recherche (avec Alphonse Dupront, Roland Mousnier, Jean Orcibal, etc.). Selon l’usage de la Compagnie, il s’interrompt pour faire un " troisème an " de noviciat dans la résidence de Saint-Martin-d’Albois (Marne) en 1959-1960, puis passe une année, assez dure pour lui, à donner les Exercices à la résidence Manrèse de Clamart (Hauts-de-Seine). Son doctorat sur Pierre Favre achevé en 1960, il entame son travail sur Jean-Joseph Surin auquel il restera désormais attaché. L’étrange destin de Surin l’incite à traverser, pour le comprendre, un pluriel de sciences humaines et sociales. Il s’intéresse en particulier à la psychanalyse, domaine où Louis Beirnaert lui sert probablement d’introducteur. Il commence une analyse, entre en relation avec Jacques Lacan (auquel il marquera toujours un grand respect intellectuel) et fait partie de son Ecole freudienne tant qu’elle existe (1964-1980).


Devenu profès de la Compagnie après ses " grand voeux " (Paris, février 1963), il se voit confier par elle des tâches et des responsabilités dans son réseau de revues. En 1963-1967, avec François Roustang, il dirige la revue " Christus " (trimestriel consacré à la spiritualié surtout ignatienne) et, aux éditions Desclée De Brouwer, la collection de livres qui lui est associée - lui-même y publiera plusieurs titres. A partir de 1967, il rejoint la rédaction des " Etudes " (mensuel de culture générale). Il fait aussi partie du conseil de rédaction de la " Revue d’histoire de la spiritualité " (nouvelle identité de la célèbre Revue d’ascétique et de mystique) et des " Recherches de science religieuse " , plus tournées vers le théologique. Dans chacune de ces revues, il publiera de nombreux articles et recensions, tout en menant de pair ses recherches érudites sur Surin. De ce dernier, il édite d’abord le " Guide spirituel " (1963), puis une massive " Correspondance " (1966), une somme d’érudition courronée par l’Institut et par la Ville de Bordeaux.

En août 1967, un grave accident de voiture, survenu en Savoie, semble compromettre l’avenir : son père, qui conduisait, est indemne, sa mère meurt sur le coup, lui-même est grièvement blessé, notamment à la face, il perd la vision de l’oeil droit. Le premier choc passé, il s’efforce de reprendre le plus tôt possible la tâche. A la recherche en histoire, au travail de rédaction pour les " Etudes " surtout (que dirige Bruno Ribes), s’est ajouté l’enseignement : un séminaire de doctorat en théologie à l’Institut catholique de Paris (1964-1978) ; après mai 1968 et son association aux projets de réforme universitaire, des cours à l’université expérimentale de Paris VIII (Vincennes), d’abord en psychanalyse, puis en histoire (1968-1971) ; ensuite à paris VII (Jussieu), des cours encore et un séminaire de 3è cycle en anthropologie culturelle (1971-1978).

Cependant la période des voyages en Amérique, toujours en relation avec des occasions de travail (conférences, enseignement, recherche), commence dès 1966 avec la découverte émerveillée du Brésil auquel il s’attachera, y faisant des séjours réguliers, puis l’Argentine, le Chili (avant la chute d’Allende), les Etats-Unis (à partir de 1969, tantôt à l’Est, tantôt à l’Ouest), le Canada et le Mexique dernier venu. Il circule tout autant en Europe : en Espagne, en particulier (par hasard de calendrier) au moment de l’agonie interminable de Franco, en Angleterre avec un trismestre comme Fellow à Cambridge (1975), en Belgique (où l’attire souvent le réseau de Marie Beaumont et Georges Thill, entre autres amitiés fortes), en Suisse comme Professeur associé à l’université de Genève (1977-1978), en Italie aux colloques et séminaires d’été d’Urbino (Centre de linguistique et sémiotique, à partir de 1969), etc. Dans ce tourbillon d’activités, il trouve encore le temps de créer et diriger une collection pour ouvrir la théologie aux méthodes des sciences humaines ; ce sera la " Bibliothèque des sciences religieuses ", produite en coédition entre quatre partenaires (Aubier, Cerf, Delachaux et Niestlé, Desclée De Brouwer), une utopie généreuse difficile à coordonner dans la pratique. De 1971 à 1977, il y publiera sept ouvrages de qualité, suscitant des projets originaux (par exemple avec Louis Marin ou Georges Thill), refusant la solution facile de se centrer sur la traduction de titres étrangers.

Dès 1972, il choisit de ne plus collaborer de manière intensive à la rédaction des " Etudes ", pour suivre une nouvelle ligne de recherche sur la culture contemporaine. Il est alors le rapporteur principal du colloque européen d’Arc-et-Senans sur la " prospective du développement culturel " (avril 1972), fait partie du Conseil du développement culturel mis en palce par Georges Pompidou, où il rencontre Roger Caillois, Paul Delouvrier, Jack Lang, et se lie d’amitié avec Françoise Choay : déçu par une conception qui ne s’intéresse plus " à faire de l’expression culturelle le moyen d’une communication et d’une créativité sociales ", et s’efforce de " ramener la culture vers la conservation d’un patrimoine ", il en démissionne en juin 1973. Il continue à réfléchir sur ces questions clés pour l’avenir d’une société, est à cetire directeur de recherche auprès du Ministère de la Culture en 1973-1974 (où il collabore avec Augustin Girard et Geneviève Gentil), puis devient responsable d’un contrat de recherche sur les " pratiques culturelles contemporaines " pour la DGRST en 1974-1977 (avec, comme collaborateurs directs, Pierre Mayol, Marie Ferrier et moi-même, plus une nébuleuse d’interlocuteurs où je me souviens de Patrick Mignon, d’Olivier Mongin, parmi tant d’autres visages).

Il en sortira d’abord " La culture au pluriel " (1974), puis, en relation avec le " laboratoire d’expérimentation et de discussion " que constitue alors son séminaire de 3è cycle à Paris VII, les deux tomes de " L’invention du quotidien " (1980). De ces années datent ses liens avec le Centre Georges Pompidou dont il aimera tout de suite la mobilité utopique et vivante. Comme il le notera plus tard, " Qui aime laville aime Beaubourg " (dans un rapport sur le Centre, écrit en 1983-1984 à la demande de Jean Meheu et publié in " Esprit ", février 1987, pour saluer le 10e anniversaire). D’ailleurs, dès sa fondation en 1974, il est membre du comité de rédaction de " Traverses " où il écrira régulièrement, malgré son éloignement géographique.

car déjà il s’était tourné vers un autre horizon. De 1978 à 1984, il est surtout aux Etats-Unis, comme Professeur titulaire à l’Université de Californie (San Diego). Il en revient en juillet 1984, tout à la joie d’avoir été élu à l’Ecole des hautes Etudes en Sciences Sociales et de rejoindre un " lieu naturel " de son travail d’historien, un carrefour d’amitiés et d’interlocuteurs. Il doit y assurer une direction d’études concernant " l’anthropologie historique des croyances (XVIe-XVIIIe siècles) ". Il fourmille de projets, veut terminer d’abord le tome 2 de " La fable mystique ", rédiger une anthropologie du croire ( à laquelle il a beaucoup travaillé en Californie), reprendre le dossier, autrefois ouvert avec Jean de Léry dans " L’Ecriture de l’histoire " (1975), des récits de voyage en Amérique, à partir de deux séries, l’une vers le Brésil, l’autre vers la Nouvelle-France.

Mais il aura à peine plus d’un ans pour enseigner à Paris. Imprévisibl, la maladie se dévoile en juillet 1985, impose très vite une grave opération, un long été à l’hôpital. Il sait aussitôt à quoi s’en tenir, choisit de n’en rien dire et de se battre en silence avec la complicité des plus proches. Il entame une course désespérée contre le temps, s’acharne à reprendre son travail en octobre, à recommencer son séminaire à la date prévue, à achever le second tome de " La fable mystique ". Il enseigne jusqu’à la fin décembre, y consacre ses dernières forces. Il meurt chez lui au soir du 9 janvier 1986, avec une élégance, une fortitude venues d'u’ autre siècle : c’est lui qui réconforte les visiteurs qu’il demande à voir dans les derniers jours, c’est lui qui leur parle d’avenir. Il explique en souriant que les vieux traités sur " l’art de mourir " étaient de bonne lecture, que Surin dans " La science expérimentale " lui avait enseigné l’essentiel sur la vérité du " sentiment intérieur ".

Selon ses souhaits, duranr la messe du dernier adieu (église Saint-Ignace, 13 janvier), on entendra les versets de Paul sur " la folie du Christ " (1Co1, 26-19), un fragment d’un " Cantique spirituel " de Surin, et aussi Edith Piaf chantant " Je ne regrette rien ", dernier signe d’amitié, dernier sourire complice. Il repose au cimetière de Vaugirard (Paris XVè), dans un caveau de la Compagnie de Jésus, tout près de Louis Beirnaert et de Henri Lavalette, qui l’y avaient précédé de quelques mois. Nombreux furent les articles de presse à saluer le voyageur parti pour un " autre pays ". La guirlande des titres dessine à petites touvhes un portrait qui sonne juste " Pèlerin des frontières " (Paul Valadier, Le Monde), " migrateur " (Michel Crépu, Panorama), " Savoyard universel " (Jean Bianchi, La Vie nouvelle, Chambéry), " mystique qui s’ignorait " (Gwendoline Jarczyk, La Croix) et, pour introduire une merveilleuse double page de Libération, cette formule : " le chrétien éclairant ", avec, en sur-titre et petits caractères, ce simple mot qui lui serait allé droit au coeur " compagnon ".

Dans la foule anonyme, un passant disparu ; dans le concert des voix, un silence ; comme il aimait à dire, d’une expression venue des mystiques, " une goutte d’eau dans la mer ".


Bibilographie : 


(1) Bieneureux Pierre Favre, " Mémorial ", traduit et commenté par Michel de Certeau, Paris, Desclée De Brouwer, coll.Christus, 1960, 453p.

(2) Jean-Joseph Surin, " Guide spirituel pour la perfection ", texte établi et présenté par Michel de Certeau, Paris, Desclée De Brouwer, coll. Christus, 1963, 330p.

(3) Pierre Teilhard de Chardin, " Lettres à Léontine Zanta ", intraod. par Robert Garric et Henri de Lubac, éd. par Michel de certeau, Paris, desclée De Brouwer, 1965, 142p.

(4) Jean-Joseph Surin, " Correspondance ", texte établi, présenté et annoté par Michel de Certeau, préface de Julien Green, Paris, Desclée De Brouwer, Bibliothèque européenne, 1966, 1827 p.

(5) " La solitude, une vérité oubliée de la communication " (avec François Roustang et al.), Paris, Descelée De Brouwer, coll. Christus, 1967, 256p.

(6) " La prise de parole. Pour une nouvelle culture ", Paris, Descelée De Brouwer, coll. Foi vivante, 1969, 261p.

(7) " La possession de Loudun " (1970), 2è éd., Paris, Gallimard-Julliard, coll. Archives, 1980, 343p.

(8) " L’absent de l’histoire ", s.l., Mame, coll. Repères, 1973, 185p.

(9) " La culture au pluriel " (1974), 2è éd., Paris, Christian Bourgois, 1980, 256p.

(10) " Le christianisme éclaté " (avec Jean-Marie Domenach), Paris, Seuil, 1974, 119p.

(11) " L’Ecriture de l’histoire " (1975), 3è éd., Paris, Gallimard, Bibliothèque des histoires, 1984, 358p.

(12) " Une politique de la langue. La Révolution française et les patois : l’enquête de Grégoire " (avce Dominique Julia et Jacques Revel), Paris, Gallimard, Bibliothèque des histoires, 1975, 317p.

(13) " L’invention du quotidien ", tome 1 : Arts de faire, Paris, UGE, coll. 10/18, 1980, 374p.

(14) " La fable mystique. XVIe-XVIIe siècle ", tome1 (1982), 2è éd., Paris, Gallimard, coll. Tel, 1987, 414p.

(15) " L’ordinaire de la communication " (avec Luce Giard) et al.), Paris, Dalloz, 1983, 167p.

(16) " Histoire et psychanalyse entre science et fiction ", présenté par Luce Giard, Paris, Gallimard, coll. Folio/essais, 1987, 214p.

(17) " La faiblesse de croire ", texte établi et présenté par Luce Giard, Paris, seuil, coll. Esprit, 1978, XIX-323p.

Recherche

Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Signaler un abus